قال الإمام أبو نصر السجزي (٤٤٤هـ) رحمه الله:
وهذه الطوائف -أعني الكلابية والأشعرية وفرق اللفظية- تروغ روغان الثعلب، وتحيد حيدة الكفار، وتخلط تخليط النصارى، وتعطي ظاهرًا ثم تدفعه، وتحتج بشيء وهي لا تقول به، وتتظاهر بالسنة وهي عنها بمعزل، وإنما أخذت إظهار الرد على المعتزلة ترسًا لها لتسلم بها من غير المعتزلة، وتترأس على الجهال، وتدس البدعة إلى من قصر علمه، ورضي بكونها عدوًّا لعدوّه.
ولا فَرْقٌ عند ذوي التحصيل بين هذه الفِرَق وبين خارجيٌّ يتودّد إلينا برده على الرّوافض طَعْنَهُمْ على الشّيخين، وإقامته الحجَةَ على كونهما إمامين، ونحن نعلم أن الخارجيّ يشتم عثمان وعليًا رضي الله عنهما، فهل يُسَرُّ بنُصرَتِه وذبّه إلا جاهل غبيٌ، رقيق الدّين، سخيفٌ الرّأي، وكذلك لو أتانا رافضيٌ مُظَهِرًا الردّ على الخوارج ما قالوه في علي وغيره من الصّحابة رحمهم الله أكنّا نفرح به؟! وقد تَحَقَقنا طَعْنَ الرّوافض على الأئمّة الثلاثة قَبْل علي رضي الله عنه وعنهم.
وهكذا الجهمي إذا زعم أنه يرد على الملحدين وعلى الخوارج والرّوافض، وقال: نحن وإيّاكم في الرّدٌ عليهم كيَدٍ واحدة، أكنا نغتبط به مع عِلْمنا بمخالفة المعتزلي للحق، وتركه السننَ ومعاداته لنا فيها؟!
فكما أنْ العاقل لا يغترّ بهؤلاء المخالفين وإن تودّدوا إليه بما قد اتفقنا نحن وهم عليه؛ لما بيننا وبينهم من الخلاف في أشياءً أُخَر، كان سبيله أن لا يغتر بالأشعريّة المموهين، والكُلَابيّة الرّائغين، وسائر اللّفظية المخالفين، فالكل عن السنة حائدون، وبالبدع قائلون، وعلى معاداة أهل الأثر متفقون.
نسأل الله الثبات على هداه، والقولَ والعمل بما يرضاه، وتجنب كل من ركب هواه، فإنه سميع قريب. انتهى كلامه
*الإبانة للسجزي (٢/٣٨٣)*