الوجه الثاني: أن البخاري لا يلزم من قوله لا يعرف له سماع أن يكون الحديث منقطعا فضلا عن أن يكون ضعيفا ، أي لا يُعد قوله هذا قطعا بالانقطاع وتضعيفا للخبر ، ولهذا أمثلة معلومة ذكر طرفا منها تلميذه النجيب الإمام الترمذي في سننه وفي العلل.
الوجه الثالث: وهو ما قاله ابنُ أبي حاتم في «الجرح والتعديل» : [عبدالله بن معبد الزماني، روى عن عمر وأبي قتادة وأبي هريرة وعبدالله بن عتبة، روى عنه قتادة وغيلان بن جرير وحجاج بن عتاب وثابت، سمعت أبي يقول ذلك. سئل أبو زرعة عن عبدالله بن معبد؟ فقال: لَمْ يُدرك عُمَر].
فلم يتكلم على سماع الزماني من أبي قتادة وإنما في رواية عمر رضي الله عنه ، وهذا كتاب علل وتتبع وهذا يؤكد ما تقدم.
وقال أبو عبدالرحمن النسائي في «السنن الكبرى» وهو أحد الأئمة الكبار في هذا الشأن بل وعده بعضهم من المشددين في الأسانيد بعد أن ذكر خبرا من رواية غيلان عن الزماني عن أبي قتادة رضي الله عنه وبيّن الاختلاف في أسانيد هذا الحديث وذكر حديث شعبة عن غيلان قال:[هذا أجود حديث في هذا الباب عندي، والله أعلم] ، فلم يذكر انقطاعا ولا إرسالا.
وكذلك ابن حبان حيث قال في «الثقات»: [عبدالله بن معبد الزماني، يَروي عن أبي قتادة، عِداده في أهل البصرة، روى عنه قتادة وغيلان بن جرير].
الوجه الرابع: أن الخبر لم ينفرد الإمام مسلم بتصحيحه بل صححه من أئمة السلف ابن خزيمة وابن حبان.
وقال الإمام الطحاوي في «شرح معاني الآثار» بعد أن ساق حديث غيلان: [فَثَبَتَ بهذَا الْأَثَرِ، عَن رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّرْغِيبُ فِي صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ.
فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ مَا كُرِهَ مِنْ صَوْمِهِ فِي الْآثَارِ الْأُوَلِ، هُوَ لِلعَارِضِ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، لِشِدَّةِ تَعَبِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى]اهـ.
وعليه فيمكن أن يُقال إنه لا سلف لمن قطع بضعف هذا الخبر، بل هو بدع من القول، وفساد في الاجتهاد، وهو محجوج بالاتفاق المنقول على استحباب صيامه لغير الحاج.
فالقول بالبدعة بدعة صلعاء ما لها من غطاء.
والله أعلم.