❌القول ببدعية صيام يوم عرفة❌
هذا القول بالبدعية هو في ذاته بدعة ضلالة إذ لم يقل هذا أحد من السلف.
ثم هذا الكاتب جاهل بمراتب العلماء، إذ كيف يذكر تضعيف الإمام البخاري ثم يقول وأقره فلان وفلان وفلان، وكلهم من الخلف، وما منهم من يبز البخاري حتى نجعل إقرارهم منقبة للبخاري.
ثم إن الذين تكلموا فيه جعلوا الراوي هو الصحابي الجليل أبو قتادة وليس الزماني التابعي.
ثم قوله عن البخاري شيخ مسلم ليجعل الحجة للشيخ بإطلاق على التلميذ هذا منهج مبتدع، بل إنما هي قواعد وضعوها؛ تمضي في الترجيح على الجميع، ويستوي فيها الشيخ والتلميذ الذي وصل إلى مرتبة المشيخة والإمامة من السلف.
وعليه ففي مقابلة كلام الإمام البخاري هناك كلام الإمام مسلم.
وإليك كلام الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما حيث يقرر صيام عرفة للحاج كما في سنن الدارمي بسند صحيح حيث قال أَخْبَرَنَا الْمُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ فَقَالَ: حَجَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَحَجَجْتُ مَعَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَصُمْهُ، وَأَنَا لاَ أَصُومُهُ وَلاَ آمُرُ بِهِ وَلاَ أَنْهَى عَنْهُ.
فانظر قول هذا الصحابي الجليل حيث لم يبدع الحاج إذا صام يوم عرفة فكيف بغيره.
[وَأَنَا لاَ أَصُومُهُ وَلاَ آمُرُ بِهِ وَلاَ أَنْهَى عَنْهُ].
وجاء عنه بسند فيه اختلاف أنه كان يفضل قضاء الفرض من رمضان في أيام التسع من ذي الحجة.
ويضاف إلى ذلك الآتي:
إن هذا الخبر قد تلقاه السلف بالقبول، فلا أعلم أحدا طعن فيه، بل حكوا ما يفيد الاتفاق على استحباب صيام يوم عرفة لغير الحاج، كما قال الترمذي في سننه عقبه:(ﻭﻗﺪ اﺳﺘﺤﺐ ﺃﻫﻞ اﻟﻌﻠﻢ ﺻﻴﺎﻡ ﻳﻮﻡ ﻋﺮﻓﺔ، إلا ﺑﻌﺮﻓﺔ).
ﻭﻗﺎﻝ ﺍﺑﻦ ﻣﻔﻠﺢ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻓﻲ ﺍﻟﻔﺮﻭﻉ:[ﻭﻳﺴﺘﺤﺐ ﺻﻮﻡ ﻋﺸﺮ ﺫﻱ ﺍﻟﺤﺠﺔ، ﻭﺁﻛﺪﻩ ﺍﻟﺘﺎﺳﻊ، ﻭﻫﻮ ﻳﻮﻡ ﻋﺮﻓﺔ، ﺇﺟﻤﺎﻋﺎ].اهـ.
وهو المعلوم عن الفقهاء أنهم لم يختلفوا في استحباب صيامه لغير الحاج.
وهذا مذكور في المشهور من كتب المذاهب، كفﺘﺢ ﺍﻟﻘﺪﻳﺮ ﻻﺑﻦ ﺍﻟﻬﻤﺎﻡ، ﻭﺍﻟﺸﺮﺡ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﻟﻠﺪﺭﺩﻳﺮ، ﻭﺍﻟﻤﺠﻤﻮﻉ ﻟﻠﻨﻮﻭﻱ، ﻭﺍﻟﻤﻐﻨﻲ ﻻﺑﻦ ﻗﺪﺍﻣﺔ، ﻭﺑﺪﺍﺋﻊ ﺍﻟﺼﻨﺎﺋﻊ، ﻭﺷﺮﺡ ﻣﺨﺘﺼﺮ ﺧﻠﻴﻞ.
وقد صحح الخبر مسلم، ولم يُعترض عليه، وقد بعث بكتبه لجماعة من علماء الحديث، وسكت عنه أبو داود، ولم يطعن فيه من استدرك بعدُ، حتى نبتت نابتة تدعي التحقيق العلمي، والرسوخ في علم العلل، فأتوا بما لم يأت به الأوائل، بل وعَدَّ ذلك من مناقبه، وما علم أنها من مثالبه.
وقد رُفع للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من لبن وهو بعرفة في حجته، ليحسم أمرا اختلف أصحابه فيه، وهو هل كان النبي صلى الله عليه وسلم صائما أم لا، وهذا دال ـ لمن تدبرـ على اعتياد صيامه في غير هذا المقام.
كما في الصحيحين ﻋﻦ ﺃﻡ اﻟﻔﻀﻞ ﺑﻨﺖ اﻟﺤﺎﺭﺙ، ﺃﻥ ﻧﺎﺳﺎ اﺧﺘﻠﻔوا ﻋﻨﺪﻫﺎ ﻳﻮﻡ ﻋﺮﻓﺔ ﻓﻲ ﺻﻮﻡ اﻟﻨﺒﻲ ﺻﻠﻰ اﻟﻠﻪ ﻋﻠﻴﻪ ﻭﺳﻠﻢ، ﻓﻘﺎﻝ ﺑﻌﻀﻬﻢ: ﻫﻮ ﺻﺎﺋﻢ، ﻭﻗﺎﻝ ﺑﻌﻀﻬﻢ: ﻟﻴﺲ ﺑﺼﺎﺋﻢ، ﻓﺄﺭﺳﻠﺖ ﺇﻟﻴﻪ ﺑﻘﺪﺡ ﻟﺒﻦ ﻭﻫﻮ واﻗﻒ ﻋﻠﻰ ﺑﻌﻴﺮﻩ، ﻓﺸﺮﺑﻪ).
وهذا ما ذكره الإمام الترمذي في سننه حيث بوب (باب مَا جَاءَ فِي فَضْلِ صَوْمِ عَرَفَةَ) ، ثم بوب (باب كَرَاهِيَةِ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ) وذكر حديث أم الفضل رضي الله عنها ليثبت مشروعية صيام يوم عرفة لغير الحاج.
ولما ذكر حديث أبي قتادة لم يذكر انقطاعا ولا إرسالا في الخبر بل قال عنه حديث حسن أي جاء من غير وجه وليس فيه وضاع ولا متهم.
حيث عرف الحسن بقوله:[وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حُسْنَ إسناده عندنا : كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يهتم بالكذب ولا يكون الحديث شاذاً ، ويروى من غير وجه نحو ذاك فهو عندنا حديث حسن]اهـ. فهو يعتبر به.
أما الاحتجاج بقول البخاريّ في «التاريخ الكبير»: [عبدُالله بنُ مَعبد الزمّانيُّ البصريُّ عن أبي قتادة، روى عنه: حجّاج بن عتاب وغيلان بن جرير وقتادة، ولا نعرف سماعه من أَبي قتادة].
وقال أيضا: "وروى غيلان بن جرير عن عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُعرف سماع عبدالله بن معبد مِنْ أبي قتادة".
وقال في «الأوسط»: "ورواه عبدالله بن معبد الزماني عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صوم عاشوراء، ولم يذكر سماعاً من أبي قتادة".
فالجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن الخبر جاء أيضا من رواية شعبة وهذا ما لم يذكره البخاري رحمه الله ، ومعروف من هو شعبة لا سيما في باب المراسيل والتدليس وهذا ما اعتمده مسلم في صحيحه حيث أورد رواية شعبة مع غيره ولاشك أن هذه ميزة في الخبر.