وأما المسألة الثالثة فهي أن نقول:
هذا الاحتجاج بهذه الآية ما المراد به ومنه؟
فإن كان المراد منه أن يقرروا أن يوسف عليه السلام كان يحكم بالطاغوت ، ولهذا هم يريدون إجازة ذلك ليسوغوا لطواغيتهم أن يحكموا بالطاغوت كذلك ، وأنه يمكن أن يكون هناك وزراء وأمراء تحت حاكم طاغوتي أو ملك فرعوني فهم يحكمون بحكم الملك الطاغوت الفرعوني ويطبقون أجندته ودستوره وقانونه الكفري الشركي.
فليصرحوا بهذه الزندقة ليفتضح حالهم ، وينكشف أمرهم ، ويظهر حكمهم.
وأما إن قالوا : لا ، فإن الحكم بالطاغوت والتحاكم إلى الطاغوت كفر أكبر ، وكذلك الأخذ بتشريعات الجاهلية وتقريرها وفض النزاعات بها كفر أكبر كما قال الله جل وعلا :
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا یُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ یُحَكِّمُوكَ فِیمَا شَجَرَ بَیۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا یَجِدُوا۟ فِیۤ أَنفُسِهِمۡ حَرَجࣰا مِّمَّا قَضَیۡتَ وَیُسَلِّمُوا۟ تَسۡلِیمࣰا) [سورة النساء 65].
وقوله تعالى :
(وَیَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ یَتَوَلَّىٰ فَرِیقࣱ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَ ٰلِكَۚ وَمَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَإِذَا دُعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ إِذَا فَرِیقࣱ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ وَإِن یَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ یَأۡتُوۤا۟ إِلَیۡهِ مُذۡعِنِینَ أَفِی قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوۤا۟ أَمۡ یَخَافُونَ أَن یَحِیفَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذَا دُعُوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَهُمۡ أَن یَقُولُوا۟ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ) [سورة النور 47 - 51].
وقوله تعالى :(وَكَیۡفَ یُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِیهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ یَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَ ٰلِكَۚ وَمَاۤ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ) [سورة المائدة 43].
شهادات مِن الله تعالى متوالية على نفي الإيمان عن هؤلاء.
فنقول : أمَا وإنكم قررتم أنه ما كان يوسف حاكما بالطاغوت أبدا ولا منزلا له ولا حاميا له ، وأنه ما كان لنبي أصلا أن يكون كذلك.
فنقول لكم ، فما وجه المشابهة والقياس هنا إذا!!
فإن الكلام معكم عن حاكم طاغوتي يحكم بالعلمانية ، ويدافع عنها ، ويبررها ويروج لها ، وينصح بها ، ويقدمها نموذجا يُحتَذَى ويُقتَدَى به ، ويجعلها ملجأ لفض النزاعات والتخلص من الورطات الدولية والمحلية.
هذا حال الحكام اليوم ، وأنتم تريدون أن تبرروا لهؤلاء الطواغيت تعاطيهم الكفر والشرك الأكبر بفعل يوسف عليه السلام ، الذي تشهدون بأنه ﷺ لم يحكم بالطاغوت وما كان ولم يكن من المشركين.
فأين وجه القياس؟! وأين وجه الشبه؟!
كلا والله بل إنما هو الإفلاس واتباع الهوى المُخْزي المُعْمِي المُضل المُصِم.
وإلا فلا حجة لكم في هذه الآية أصلا ، ولا متعلق لها بموضع النزاع لا جملة ولا تفصيلا.
فبالله عليكم أي عمًى وعَتَهٍ وإظلام بصيرة تلك التي جعلتكم تُعَرِّضُون بهذا النبي الكريم لتمرروا هذا القول الخبيث ، الذي لو تأملتموه لوجدتموه كفرا وزندقة والعياذ بالله.
وإلا فما علاقة حال يوسف النبي الكريم ﷺ بحال هؤلاء الطواغيت وكفرهم وزندقتهم ؟!
وثالثة الأثافي أن يكون من استدلالكم بهذا الباطل على أن تسوغوا للحكام ركوب الكفر والشرك ريثما يتمكن الطاغوت من الإتيان بالإسلام الحق!! ، فإن كان كذلك فقد بينا الرد على هذا الدجل والخبث والكفر والعبث في موضعه من الكتاب ، ونكتفي هنا بالتذكير بهذه الآيات:
قال الله تعالى:
(وَإِن كَادُوا۟ لَیَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِیۤ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ لِتَفۡتَرِیَ عَلَیۡنَا غَیۡرَهُۥۖ وَإِذࣰا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِیلࣰا وَلَوۡلَاۤ أَن ثَبَّتۡنَـٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَیۡهِمۡ شَیۡـࣰٔا قَلِیلًا إِذࣰا لَّأَذَقۡنَـٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَیَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَیۡنَا نَصِیرࣰا) [سورة الإسراء 73 - 75].
وقال تعالى:
(وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِی كُلِّ أُمَّةࣲ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُوا۟ ٱلطَّـٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَیۡهِ ٱلضَّلَـٰلَةُۚ فَسِیرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُوا۟ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِینَ) [سورة النحل 36].
وقال تعالى:
(۞ وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ یَـٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَیۡكُم مَّقَامِی وَتَذۡكِیرِی بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوۤا۟ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَاۤءَكُمۡ ثُمَّ لَا یَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَیۡكُمۡ غُمَّةࣰ ثُمَّ ٱقۡضُوۤا۟ إِلَیَّ وَلَا تُنظِرُونِ) [سورة يونس 71].